فخر الدين الرازي

118

تفسير الرازي

في الشرق والغرب ؟ قلنا لعله يقال : القوم كانوا قليلين ، والعلماء بالكتاب كانوا في غاية القلة فقدروا على هذا التحريف ، والثاني : أن المراد بالتحريف : إلقاء الشبه الباطلة ، والتأويلات الفاسدة ، وصرف اللفظ عن معناه الحق إلى معنى باطل بوجوه الحيل اللفظية ، كما يفعله أهل البدعة في زماننا هذا بالآيات المخالفة لمذاهبهم ، وهذا هو الأصح . الثالث : أنهم كانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم ويسألونه عن أمر فيخبرهم ليأخذوا به ، فإذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه . المسألة الرابعة : ذكر الله تعالى ههنا : * ( عن مواضعه ) * وفي المائدة * ( من بعد مواضعه ) * والفرق أنا إذا فسرنا التحريف بالتأويلات الباطلة ، فههنا قوله : * ( يحرفون الكلم عن مواضعه ) * معناه : أنهم يذكرون التأويلات الفاسدة لتلك النصوص ، فههنا قوله : * ( يحرفون الكلم عن مواضعه ) * معناه : أنهم يذكرون التأويلات الفاسدة لتلك النصوص ، وليس فيه بيان أنهم يخرجون تلك اللفظة من الكتاب . وأما الآية المذكورة في سورة المائدة ، فهي دالة على أنهم جمعوا بين الأمرين ، فكانوا يذكرون التأويلات الفاسدة ، وكانوا يخرجون اللفظ أيضا من الكتاب ، فقوله : * ( يحرفون الكلم ) * إشارة إلى التأويل الباطل وقوله : * ( من بعد مواضعه ) * إشارة إلى إخراجه عن الكتاب . النوع الثاني : من ضلالاتهم : ما ذكره الله تعالى بقوله : * ( ويقولون سمعنا وعصينا ) * وفيه وجهان : الأول : أن النبي عليه السلام كان إذا أمرهم بشيء قالوا في الظاهر : سمعنا ، وقالوا في أنفسهم : وعصينا والثاني : أنهم كانوا يظهرون قولهم : سمعنا وعصينا ، إظهاراً للمخالفة ، واستحقاراً للأمر . النوع الثالث : من ضلالتهم قوله : * ( واسمع غير مسمع ) * . واعلم أن هذه الكلمة ذو وجهين يحتمل المدح والتعظيم ، ويحتمل الإهانة والشتم . أما أنه يحتمل المدح فهو أن يكون المراد اسمع غير مسمع مكروها ، وأما أنه محتمل للشتم والذم فذاك من وجوه : الأول : أنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم : اسمع ، ويقولون في أنفسهم : لا سمعت ، فقوله : * ( غير مسمع ) * معناه : غير سامع ، فان السامع مسمع ، والمسمع سامع . الثاني : غير مسمع ، أي غير مقبول منك ، ولا تجاب إلى ما تدعو إليه ، ومعناه غير مسمع جوابا يوافقك ، فكأنك ما أسمعت شيئا . الثالث : اسمع غير مسمع كلاما ترضاه ، ومتى كان كذلك فان الانسان لا يسمعه لنبو سمعه عنه ، فثبت بما ذكرنا أن هذه الكلمة محتملة للذم والمدح ، فكانوا يذكرونها لغرض الشتم . النوع الرابع : من ضلالاتهم قولهم : * ( وراعنا لياً بألسنتهم وطعناً في الدين ) * أما تفسير * ( راعنا ) * فقد ذكرناه في سورة البقرة وفيه وجوه : الأول : أن هذه كلمة كانت تجري بينهم على جهة الهزء والسخرية ، فلذلك نهى المسلمون أن يتلفظوا بها في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم . الثاني :